الجنيد البغدادي

140

رسائل الجنيد

ثم سمعته يقول : وهبنيه ثم استتر بي عني فأنا أضر الأشياء على الويل لي منى أكادني وعنه بي خدعني كان حضوري سبب فقدي وكانت متعتي بمشاهدتي كمال جهدي فالآن عدمت قواي لفناء سري لا أجد ذوق الوجود ولا أخلوا من تمكين الشهود ولا أجد نعيما من جنس النعيم ولا ( أجد ) « 1 » التعذيب من جنس التعذيب فطارت المذاقات عنى وتفانت اللغات من وضعي فلا صفة تبدى ولا داعية تجدي كان الأمر في إبدائه كما لم يزل في ابتدائه . قلت فما أبان منك هذا النطق ولا صفة تبدوا ولا داعية تجدي « 2 » قال نطقت بغيبتي عن حالي ثم أبدى على من شاهد قاهر وظاهر شاهر أفناني بإنشائي كما أنشأني بدءا في حال فنائي فلم أوثر عليه لبرائته من الآثار ولم أخبر عنه إذ كان متوليا للأخبار ليس قد محى رسمي بصفته وبامتحاني فإن علمي في قربه فهو المبديء كما هو المعيد . قلت : فما قولك أفناني بإنشائي كما أنشأني بدءا في حال فنائي ؟ قال : أليس تعلم أنه عز وجل قال : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ [ الأعراف : 172 ] إلى قوله تعالى : شَهِدْنا فقد أخبرك عز وجل أنه خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم إذا كان واجدا للخليقة بغير معنى وجوده لأنفسها بالمعنى الذي لا يعلمه غيره ولا يجده سواه ، فقد كان واجدا محيطا شاهدا عليهم بدءا في حال فنائهم عن بقائهم الذين كانوا في الأزل فذلك هو الموجود الرباني والإدراك الإلهي الذي لا ينبغي إلا له جل وعز . ولذلك قلنا إنه إذا كان واجدا للعبد يجرى عليه مراده من حيث يشاء بصفته المتعالية التي لا يشارك فيها كان ذلك الوجود أتم الوجود وأمضاه لا محالة ، وهو أولى وأغلب وأحق بالغلبة والقهر وصحة الاستيلاء على ما يبدو عليه حتى يمحى رسمه عامة ويذهب وجوده إذ لا صفة بشرية ووجود ليس يقوم به لما ذكرنا تعاليا من الحق وقهره .

--> ( 1 ) بياض في الأصل ، والكلمة من ط . ( 2 ) الكلمة في أصل المخطوط : تجدوا . وفي ط : تحدوا .